اخر عدد | الحوار المتمدن

٢٩ آذار ٢٠٠٥

الإحتلال الأمريكي والحركة المناهضة للحرب بعد الانتخابات

الإحتلال الأمريكي والحركة المناهضة للحرب بعد الانتخابات
السبت 5 مارس 2005 جلبير الأشقر

سيتيقن كل من شاهد بالتلفاز، يوم 3فبراير، القسم الخاص بالعراق من خطاب جورج بوش حول حالة الإتحاد أمام الكونغرس الأمريكي، أن أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، بدءا من ديك تشيني بالذات، يثابرون بعزم على الرياضة البدنية المطلوبة لصيانة صحة قلوبهم. ذالك أن شدة وتيرة وقفات احتفائهم كانت بالفعل تعادل اشد تمارين "إيروبيك". بالمقابل كان الأمر فشلا ذريعا في محاولة نيل الأوسكار لان كتاب السيناريو بإدارة بوش ابرع في الميلودراما المتلفزة مما في الأفلام الجيدة ولأن بوش ممثل فاشل، حتى قياسا بمستوى رونالد ريغن المتدني.
وقد بلغ النفاق اوجه: فكما كان متوقعا، حاول جورج بوش تقديم الانتخابات العراقية على أنها إنجاز ديموقراطي كبير يعود فضله إلى إدارته بشكل رئيسي.
غير أن أهم وسائل الإعلام الأمريكية ذاتها لم تتمكن، خلال الأيام التالية، من إخفاء كون الولايات المتحدة الأمريكية تكبدت، في الواقع، هزيمة حقيقية في تلك الانتخابات. فهذه لم تكن قد فرضت على المحتلين بمظاهرات شارع جماهيرية، بعد عدة شهور من مواجهة محتدة بين الحاكم الأمريكي بول بريمر و آية الله الشيعي علي السيستاني، وحسب، بل نجح هذا الأخير أيضا في صد جميع محاولات والي واشنطن الجديد جون نيغروبونتي لوضع جميع المشاركين في "المجلسين الحكوميين" المعينين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بعد الاجتياح، في قائمة مرشحين واحدة.
جرى رفض عملاء لندن وواشنطن، وأُرغم إياد العلاوي والياور و الباجه جي وأمثالهم على تنظيم حملات انتخابية خاصة بهم، بينما كان آية الله يدعم الائتلاف العراقي الموحد القريب من إيران، والذي ضم القوى السلفية الإسلامية الشيعية الرئيسية، علاوة على عدة مجموعات أخرى شيعية و غير شيعية.
ورغم تدخل أمريكي فظ في الحملة الانتخابية ودعم مالي وسياسي قوي من طرف لندن وواشنطن، تكبد عميلهما العلاوي هزيمة نكراء بحصوله على نسبة أصوات دون 14% – هذا بالرغم من إحجام قسم كبير من السكان العراقيين عن التصويت، ومعظمهم يعارض بشدة كل ما يمثله العلاوي.
أفضت تعبئة جماهير الشيعة والأكراد المثيرة والمذهلة بالمناطق الأكثر أمنا بالبلد إلى فوز هام للائتلاف العراقي الموحد بحصوله على 48% من مجموع الأصوات، يليه التحالف الكردي بـ 26%، وحلت قائمة العلاوي ثالثة، بعيدة جدا بحصولها فقط على حوالي نصف الأصوات التي حصل عليها التحالف الكردي. (راجت بسرعة إشاعات مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية قلصت أصوات الائتلاف الموحد من 60% الى اقل من 50% لمنعه من تقرير مصير البلد).
لقد انهار أمل واشنطن الوهمي في فوز زمرة العلاوي مع قوى أخرى مؤيدة للاحتلال، بعدد مقاعد كاف لتأبيد النظام العميل، بدعم من الأعضاء الأكراد في المجلس المنتخب. ورغم أن الائتلاف العراقي الموحد لا يتحكم بنسبة ثلثي المقاعد اللازمة للتصويت على القرارات الكبرى – بناء على القانون الإداري الانتقالي الذي وضعه بريمر والذي لقي معارضة الائتلاف ورفضا قاطعا من آية الله السيستاني لما حاولت واشنطن إدراجه في قرار الأمم المتحدة الداعي إلى الانتخابات – فإنه، أي الائتلاف، يمثل إلى حد بعيد القوة الأساسية في المجلس الجديد، حائزا على أكثر من نصف مقاعده.
تأمل واشنطن حاليا أن تتمكن من تفكيك التحالف الشيعي بواسطة عميلها العلاوي، باللجوء إلى كل الوسائل القذرة، من التهديدات إلى الرشوة. وما زال امتحان القوة بين السيستاني وقوى الاحتلال بعيدا عن نهايته. هذا ومهما كان مصير تطورات المأساة العراقية الحبلى بالمفاجأات ومناورات الكواليس، باتت مسألتان جليتين.
موقف واشنطن من سحب قواتها
كان واضحا تماما، بنظر كل المراقبين، أن السواد الأعظم من المصوتين العرب – وبالتالي الأغلبية الساحقة من سكان العراق، مع أخذ الحالة الذهنية السائدة لدى من لم يصوتوا بالاعتبار – كان وما زال يرفض الاحتلال. وفي الواقع لاحظ معظم المراقبين أن السواد الأعظم من المصوتين العرب اعتبر تصويته وسيلة سياسية للتخلص من المحتل. كانت هذه الحالة الذهنية قوية على نحو جعل الأحزاب العربية كلها تقريبا، تدرج مطلب سحب القوات الأجنبية كعنصر رئيسي في برنامجها. فحتى قائمة العلاوي أقدمت على ذلك (تقول لافتاته بالعربية: صوتوا لقائمتنا إن أردتم عراقا قويا، خاليا من القوات الأجنبية).
نص البرنامج الانتخابي للائتلاف العراقي الموحد بوضوح على إجراء مفاوضات مع قوى الاحتلال بقصد وضع جدول زمني لانسحابها. وأصبح هذا المطلب نفسه مطلبا مركزيا للقوى السياسية الأكثر حزما في معارضتها للمحتل: هيئة العلماء المسلمين السنية وتيار مقتدى الصدر الشيعي. فقد عقد الطرفان تحالفا غير رسمي للضغط على أغلبية المجلس المنتخب لصالح ذلك المطلب.
إن المطلب ذاته هو ما أشار إليه جورج بوش بكل وضوح ، في خطابه حول الاتحاد:
"لن نضع جدولا زمنيا مصطنعا للانسحاب من العراق، لأن ذلك قد يشجع الإرهابيين ويوهمهم بإمكان انتظار جلائنا. نحن بالعراق لبلوغ نتيجة: إقامة بلد ديموقراطي، يمثل كافة سكانه، في سلام مع جيرانه وقادر على الدفاع عن نفسه. وعندما تتحقق هذه النتيجة، سيعود رجالنا ونساءنا العاملون بالعراق إلى ديارهم بما كسبوا من شرف. "
كان انتقاء الكلمات دقيقا ودالا: "لن نضع جدولا زمنيا مصطنعا للانسحاب" يعني رفض وضع أي جدول على الإطلاق، لان أي جدول "مصطنع" حتما، بينما المهلة "الطبيعية" التي لمح إليها بوش بقوله: "نحن بالعراق لبلوغ نتيجة... وعندما تتحقق هذه النتيجة..."، تعني أن واشنطن ستقرر بمفردها إذا ومتى سحبت قواتها. وتتضمن "النتيجة" المستهدفة تلميحا إلى أن المجلس الجديد والحكومة الجديدة بالعراق لا يمثلان بعد "كافة سكانه ".
أما عراق "ديموقراطي"، فيعني بنظر بوش بلدا لا يسيره نظام من الطراز الإيراني مناهضا للهيمنة الأمريكية، يقوم على تركيب بين السلفية الاسلامية وجرعة من البرلمانية (بالرغم من أن واشنطن سعيدة جدا بالتركيبة السعودية بين الخضوع للولايات المتحدة الأمريكية والسلفية المتطرفة – والحال أن النظام السعودي هو بلا شك النظام الأقل ديموقراطية والأكثر عداء للنساء على وجه الأرض). وأما عراق "في سلام مع جيرانه" فلا يمكن أن يعني بنظر بوش سوى حكومة عراقية في سلام مع إسرائيل ومع المملكتين الأردنية والسعودية، ومتاخم للجارين السوري والإيراني "المهدأين" وفق معايير واشنطن. وأخيرا يعني عراق "قادر على الدفاع عن نفسه" أن واشنطن لن تنسحب من العراق (جزئيا على كل حال) إلا بعد تيقنها من أن هذا البلد تتحكم به قوات مسلحة تابعة لواشنطن قدر تبعية نظيرتيها السعودية والأردنية.
هذا الجزء من خطاب بوش حول الاتحاد، المؤكد على "النتيجة" ورفض "جدول زمني للانسحاب"، إنما هو تكرار واضح جدا للتحذير العلني الذي وجهه، قبل بضعة أيام، اثنان من قدماء مؤسسة السياسة الخارجية الجمهوريين، هنري كيسينجر وجورج شولتز. إذ نشرا مقالا مشتركا في صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 25 يناير، عشية الانتخابات العراقية، تحت عنوان "المهم في العراق هو النتائج وليس الجداول الزمنية!".
وهو مقال يجدر سرده مطولا لأنه يفصح بصراحة عن الاعتبارات الإستراتيجية الحقيقية التي توجه واشنطن:
"إن الشرط المسبق الأساسي لوضع إستراتيجية خروج مقبولة هو تحقيق نتيجة دائمة، لا وضع حد زمني اعتباطي، لأن النتيجة بالعراق ستحدد العقد المقبل للسياسة الخارجية الأمريكية. إن اندحارا قد يؤدي إلى جملة توترات بالمنطقة، لأن الجذريين والسلفيين سيسعون وراء فرض هيمنتهم، والرياح تجري على ما يبدو لصالحهم. وسوف تشعر العناصر الجذرية بالتشجيع حيثما ثمة نسبة مهمة من السكان المسلمين. وبما أن بقية العالم ستتفاعل مع هذا الواقع، فإن فهمها للأمور قد يخل به مشهد الالتباس الأمريكي بالعراق. [...]
"إذا كان على سيرورة ديموقراطية أن توحد العراق سلميا، فإن أمورا كثيرة مرتبطة بكيفية فهم الأغلبية الشيعية لحكم الأغلبية. إن زعماء الشيعة الفطنين، الذين صلبتهم عقود من استبداد صدام حسين، ما زالوا لحد الآن غامضين حول اهدافهم. لقد الحوا على إجراء انتخابات سابقة لأوانها – في الواقع، جرى تحديد تاريخ 30 يناير إثر شبه إنذار صادر عن أبرز الزعماء الشيعة، آية الله العظمى علي السيستاني. كما فرض الشيعة أنظمة تصويت مبنية على وضع قوائم للمرشحين على المستوى الوطني، مخالفة للمؤسسات الفيدرالية والإقليمية. وبالرغم من أن تصريحات شيعية حديثة أكدت على هدف إقامة دولة علمانية، فقد تركت تفسير حكم الأغلبية مفتوحا. إن تطبيقا مطلقا لقاعدة الأغلبية قد يجعل من بلوغ الشرعية السياسية أمرا صعبا. [...]
"يجب ألا يغرينا الرد على العنف السني المتشدد والهدوء الشيعي النسبي بمماثلة الشرعية العراقية مع سلطة شيعية فالتة من الرقابة. إذ أن التجربة الأمريكية مع حكم رجال الدين الشيعة بإيران منذ 1979 لا تحفزنا على الاطمئنان لقدرتنا على توقع التطورات الشيعية أو آفاق تشكيل تكتل يهيمن عليه الشيعة ويمتد حتى البحر الأبيض المتوسط. [...]
"ستكون الجمعية التأسيسية المنبثقة عن الانتخابات ذات سيادة إلى حد ما. لكن يجب تركيز مواصلة تأثير الولايات المتحدة الأمريكية على أربعة أهداف رئيسية: 1) منع أي مجموعة كانت من استغلال العملية السياسية بقصد إقامة هيمنة شبيهة بالتي كانت للسنة سابقا؛ 2) منع انزلاق أي منطقة كانت نحو شروط مماثلة للتي كانت قائمة في عهد طالبان، كملاذات ومراكز تجنيد للإرهابيين؛ 3) منع الحكومة الشيعية من أن تصبح حكما دينيا بإشراف إيراني أو محلي؛ 4) الحفاظ على إمكانية الاستقلال الإقليمي داخل السيرورة الديموقراطية بالعراق."
ما يوصي به بجلاء كيسينجر وشولتز وشركاؤهما، و تستلهمه إدارة بوش عمليا، هو وجوب منع واشنطن الأغلبية "الشيعية" – أي كل أغلبية عراقية معادية لواشنطن – من حكم العراق. يتعين على واشنطن أن تظل سيدة البلد، باستغلال الصراعات بين الشيعة والسنة، وبين العرب والأكراد، حسب الوصفة الإمبراطورية الشهيرة "فرق تسد".
إن ما يزيد من خطورة الرهانات هنا بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية الإمبريالية، هو أنه:
1) قد تترتب على هزيمة سياسية تامة بالعراق – أي فقدان التحكم بالبلد والاضطرار إلى الانسحاب منه – عواقب أسوأ من عواقب فيتنام فيما يخص مصداقية الإمبريالية الأمريكية وقدرتها على التدخل عسكريا، علاوة على هيمنتها الاقتصادية والسياسية العالمية. فبفعل عامل البترول، تتجاوز الأهمية الإستراتيجية للعراق ولمنطقة الخليج العربي-الفارسي بكثير ما كان قيد الرهان في فيتنام والهند الصينية برمتها.
2) ينتمي العراق في منظور واشنطن – وإسرائيل – الإستراتيجي إلى "هلال أزمة" إقليمي، شيعي الغلبة، يمتد من لبنان، حيث يمثله حزب الله المتحالف مع السيطرة السورية، إلى نظام الهيمنة العلوية بسوريا، والقوى الشيعية المقربة إلى إيران بالعراق، وصولا إلى نظام الملالي بطهران.
تعتبر واشنطن من أولوياتها الإطاحة بهذه النسخة المنقحة والمركزة من "محور الشر". ويدل موقفها إزاء الأحداث بلبنان، وتصاعد تهديداتها لدمشق وطهران، على السياق الذي ترى فيه دورها بالعراق.
في ضوء ذلك كله، يجب ألا يكون ثمة وهم حول نية الإدارة الأمريكية الحالية مغادرة العراق. إن ما أكدته مصادر عسكرية بريطانية، في متم يناير، بصدد عزم واشنطن ولندن على وضع "إستراتيجية انسحاب، لكن بلا جدول زمني معلن"، يمثل تضليلا إعلاميا صرفا، بهدف طمأنة رأي عام مناهض أكثر فأكثر لتمديد الاحتلال.
الحكومة العراقية المقبلة ومسألة الاحتلال
إن النقاش ضمن القوى السياسية للأغلبية الشعبية بالعراق، نقاش بين المطالبين بانسحاب القوات الأجنبية في المدى المتوسط والمطالبين به في المدى القريب. وجلي أن الفصائل المهيمنة داخل الائتلاف العراقي الموحد تنتمي إلى الفئة الأولى، التي تحظى على الأرجح، حول هذه المسألة أيضا، بدعم من أية الله علي السيستاني. إن تلك الفئة على اقتناع – بحسن نية لدى غالبيتها، ولا شك – بإمكانية الاستفادة من وجود قوات الاحتلال لأجل تشكيل قوى مسلحة تحت سيطرتها، وتخلق بذلك شروط انسحاب هادئ للقوات الأجنبية. هذا ما عبر عنه إبراهيم الجعفري، مرشح الائتلاف العراقي الموحد لمنصب رئيس الوزراء.
انه خطأ خطير. فمن جهة، دلت التجربة على نحو قاطع أن الوضع بالعراق يتدهور بقدر استمرار الاحتلال. فالاحتلال يذكي الفوضى أكثر من أي عامل آخر أو أي قوة أخرى أجنبية كانت أو محلية، وذلك لسبب بسيط: يمقت السواد الأعظم من عرب العراق الاحتلال. ويتزايد هذا الكره يوما بعد يوم بسبب رعونة المحتلين وفظاظتهم. وعلى العكس يشكل انسحاب القوات الأجنبية، الشرط الذي لا غنى عنه لإحلال الأمن و النظام ولأجل بناء فعلي لدولة عراقية جديدة.
ومن جهة أخرى، يمكن اتهام المحتلين، على نحو مشروع، بإثارة أشكال الفوضى والعنف، وكذا انقسامات عرقية وطائفية بقصد تأبيد الاحتلال وإضفاء الشرعية عليه. وذلك ما يتهمهم به فعلا السواد الأعظم من سكان العراق. تعتقد أكثرية العراقيين أن واشنطن تتعمد إثارة الفتنة الأهلية بينهم بتحريض كل طائفة على أخرى. وهم مقتنعون أن الحكومة الأمريكية تسمح لمجموعات إرهابية، مثل جماعة الزرقاوي وغيرها، بتنظيم نشاطاتها الهمجية لإفقاد المقاومة الشرعية الاعتبار والحفاظ على أشكال من الفوضى ُتستعمل ذريعة لتمديد الاحتلال إلى أجل غير محدد.
إنها إحدى الأسباب التي حدت مرارا بالقوى الأشد معارضة للاحتلال، مثل التحالف سالف الذكر بين هيئة العلماء المسلمين وتيار مقتدى الصدر، إلى الدعوة إلى تمييز واضح بين المقاومة المشروعة ضد قوى الاحتلال وبين ما تسميه "الإرهاب"، مصنفة بهذا النعت، وعن حق، كل من يلجأ إلى العنف ضد مدنيين أبرياء، سواء كانوا عراقيين أو أجانب، وكذلك، طبعا، الإعتداآت الطائفية.
وقد تجاوزت تصرفات واشنطن الماكيافيلية عتبة جديدة باتصالات جرت مؤخرا مع الجناح البعثي في المقاومة، أي الشبكة المتحدرة من الديكتاتورية البعثية والحائزة على كميات ضخمة من المال والسلاح. يقوم حاليا هذا الجناح من مقاومة الاحتلال الأمريكي – الذي يمقته السواد الأعظم من شعب العراق لأنه لا يهدف إلى تحرير البلد، بل بالأحرى إلى إعادة نظامه المستبد الذي لا يطاق – بالتفاوض مع واشنطن.
وينسجم هذا التطور تمام الانسجام مع تبدل خطط واشنطن بالعراق الذي عبر عنه استبدال الجلبي بالعلاوي. وكان الأول قد نصب نفسه بطلا لـ"إجتثاث البعث" ولعب دورا رئيسا في اتخاذ بريمر قرار تفكيك أجهزة الديكتاتورية البعثية، فاتحا بذلك الباب أمام مخرجين ممكنين: إما الفوضى واحتلال مديد، وإما إقامة دولة جديدة مبنية على حكومة الأغلبية. أما العلاوي فكان يدعو، قبل الاجتياح وبعده، إلى تعاون بين واشنطن وقطاعات هامة من جهاز حزب البعث.
لما تخلص بريمر من الجلبي وعين العلاوي على رأس النظام العميل، أقدم هذا الاخير على إعادة دمج مسؤولين بعثيين سابقين في الحكومة العراقية الجديدة وفي القوى المسلحة، مما أثار بشدة حفيظة القوى الشيعية الرئيسة في الائتلاف العراقي الموحد. والحال أن القوى السلفية الشيعية ذات مليشيات مسلحة، أي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق وحزب الدعوة وتيار الصدر، تسعى إلى تطهير القوات العراقية الجديدة من كبار الضباط البعثيين المنخرطين فيها مؤخرا ودمج ميلشياتها الخاصة بها – وهو سيناريو يقض مضجع واشنطن. جلي أن الولايات المتحدة الأمريكية ستسعى إلى منع هذه الأحزاب من الاستيلاء على "وزارات السيادة" والتحكم بقوى الجيش وأجهزة القمع.
إن واشنطن، إزاء إحتمال مواجهة مع الأغلبية الشيعية، عاقدة العزم على استعمال جميع الوسائل الضرورية للتصدي لهذا الخطر، بما في ذلك إقامة تحالف "مناهض لإيران" مع البعثيين. أفلم يسبق للولايات المتحدة الأمريكية أن تحالفت مع صدام حسين بالذات ضد النظام الإيراني طوال سنوات؟
تعيد كل هذه التطورات مرة أخرى التأكيد على ضرورة التزام اليسار المناهض للإمبريالية بالخارج بالكثير من التبصر حيال الوضع العراقي بالغ التعقيد. فيجب تفادي فخاخ من قبيل دعم المقاومة العراقية ككل دون التمييز الضروري، أو الاعتقاد التبسيطي بأن الكفاح المسلح هو وحده شكل النضال الشرعي أو الفعال.
إن التحالف الشيعي-السني المناهض للاحتلال – هيئة العلماء المسلمين وتيار الصدر – محقا تماما بتشديده على أن انسحاب القوات الخارجية هو المطلب المركزي وضرورة أساسية في الوضع العراقي الراهن. ويمثل هذا التحالف توسطا سياسيا بين ضغط المقاومة المسلحة المشروعة والضغط السياسي ضد الاحتلال الذي يعبر عنه السكان وممثلو أغلبيتهم. ويكتسي تضافر هذين الضغطين أهمية حاسمة لأجل تحرير العراق.
اتخذ هذا التحالف المناهض للاحتلال موقفا صائبا من المسألة الوطنية، لكن دون أن يعني ذلك أنه مكون من قوى "تقدمية". فتيار مقتدى الصدر، بوجه خاص، تيار سلفي متشدد وغارق في الرجعية بصدد عدة مسائل اجتماعية وثقافية. إن هيمنة قوى دينية، تضم تنويعا من السلفيين، على النضال الشعبي ضد الاضطهادين الأجنبي والمحلي لشاهد على الإفلاس التاريخي لليسار في هذه المنطقة من العالم – إفلاس تبرزه بجلاء هزيمة الحزب الشيوعي النكراء في الانتخابات العراقية. و من حسن الحظ أن عدم تجانس المجتمع العراقي ذاته يضع حدودا واضحة بوجه كل مشروع رام إلى فرض نظام سلفي إسلامي على البلد.
مهام الحركة المناهضة للحرب
أيا يكن موقف الحكومة العراقية المقبلة بشأن الاحتلال، يتعين على الحركة المناوئة للحرب تصعيد ضغطها بعزم حول مطلب الجلاء الفوري والشامل لقوات الاحتلال من العراق. ليس ذلك في صالح السكان العراقيين وحسب، بل أيضا في مصلحة أغلبية المجلس الجديد المنتخب وتمثيلها بالحكومة.
ستواجه هذه الأغلبية، عاجلا أو آجلا، شتى أنواع الضغوط الأمريكية. وسيكون عليها مواجهة رفض واشنطن لتحديد جدول زمني لسحب قواتها من العراق، ناهيكم بمنظور انسحاب شامل. وتقوم إدارة بوش بتشييد بنية تحتية عسكرية لاستقرار القوات الأمريكية بالعراق مدة غير محددة، لاسيما بمنطقة آبار البترول الإستراتيجية. ومما له دلالة بالغة بهذا الشأن استحضار مستشاري إدارة بوش للوجود المستمر لقوات أمريكية طيلة ستين سنة الأخيرة باليابان وألمانيا كمثال للإقتداء.
لا يمكن إذن لشعب العراق وممثلي أغلبيته إلا الإستفادة من أقوى ضغط تمارسه الحركة المناهضة للحرب بالخارج من أجل سحب فوري وشامل وغير مشروط لقوات الاحتلال من العراق.
كما يتعين على الحركة المناهضة للحرب أن تستعد لمنظور نضال طويل الامد لأجل إخراج الاحتلال من العراق والحؤول دون مغامرات عسكرية جديدة ضد إيران وسوريا، وأي بلد آخر قد تهدده واشنطن مستقبلا. يستلزم ذلك وضع جدول زمني للتعبئة يتيح للحركة أن تندرج في منظور طويل الأمد بدل تحديد موعد وحيد كل مرة وترك مصير التعبئة للمجهول.
سبق للحركة المناهضة للحرب أن نجحت في ذلك. وبإمكاننا النجاح مرة أخرى.

24 فبراير 2005
==

ليست هناك تعليقات: