اخر عدد | الحوار المتمدن

3 آب 2010

مقاطعة ام شو

قدم التيار الاعرض في الحركة الاسلامية - الاخوان المسلمين وذراعهم الحزبي جبهة العمل الاسلامي - موقفهم من الانتخابات البرلمانية بالمقاطعة. ومن حيثيات اتخاذ القرار لدى الحركة الاسلامية ان ما يعرف بـ"الحمائم" كانوا اكثر تحمسا لقرار المقاطعة من الـ"صقور." قد يكون مرد ذلك ليس لآن الحكومة خذلت هؤلاء - الحمائم - في الانتخابات البرلمانية الاخيرة، بل لآنهم اشتموا رائحة خيانة اخرى عندما اختارت الحكومة موعد الانتخابات خلال موسم الحج، مما قد يفقد الحركة الاسلامية نحو 20 الف صوت بحسب تقدير احد قياداتهم.

بالطبع قانون الانتخابات قانون متخلف وعمّق حالة التفسخ الاجتماعي في المجتمع وخفض مستوى - نوعا وكما - المشاركة الشعبية في صنع القرار والمحاسبة والدفاع عن مطالب قطاعات واسعة من السكان امام انفراد الحكومة بتمرير سياسات طبقية رأسمالية في هجوم سافر على مصالح الناس ولقمة عيشهم من اجل اثراء حفنة من المستثمرين وازلامهم من الفاسدين في اعلى مستويات الدولة. وجرى خلال العشرين سنة الماضية على الاقل قوننة هذا التحول - معظمه بقوانين مؤقتة - الذي بات يعرف عالميا ومحليا بالسياسة الاقتصادية النيوليبرالية.

بالطبع الحركة الاسلامية على اتساع نفوذها وامتدادها الانتخابي لم تواجه هذا الهجوم المحكم والطبقي من قبل الدولة على قوت الناس سوى بـ"الاعمال الخيرية" وبعض الكلام لتزيين بياناتهم الانتهازية. فهي لم تققف قواعدها لمواجهة هذه التحولات الاستغلالية. ولم تخرج ولم تستعمل قوتها واتساع نقوذها الجماهيري في اي تحرك شعبي للدفاع عن قوت الناس اوللتضامن مع التحركات العمّالية الواسعة والمتواصلة طوال عقدين من الزمن. التحركات العمالية واجهت بطش الدولة وقمعها بكافة اشكاله بما فيه الدموي بصدور عارية وظهر للحائط. بينما الحركة الاسلامية تختبئ في مجمع نقاباتها المهنية ولاتتعدى همسات احتجاجها ادراج هذا المجمع اومقراتها المكيفة. يطلبون مسيرة فإذا قيل لهم لا، قعدوا وكفى "الله المؤمنين شر القتال."

وبالتالي فقد جاء القانون محصلة لموازين القوى الاجتماعية في المجتع. وعندما شاهدت الحكومة ان الحركة الاسلامية غير جدية في صراعها من اجل الديمقراطية، هي كذلك لم تبادر في ان "تمنح" ما لم ينتزع منها. وحاولت ان تناور باسلوبها المعتاد من خلال العلاقات العامة والمحاياة. فجابت المعايطة الثالث: سميح المعايطة - هناك مازن المعايطة وزير التنمية السياسية، ومازن المعايطة ايضا رئيس اتحاد النقابات العمالية.- وسميح هذا كاتب اسلامي كان رئيس فرع الاخوان المسلمين ابان دراسته الهندسة في جامعة العلوم والتكنولوجيا. وقد جئ به كي يضفي نوع من حسن النية والمصداقية من قبل الحكومة للحركة الاسلامية. وكتعبير عن نية الحكومة القيام بانتخابات نزيهة وهي سميح المعايطة اسألوه. ومهدت للموضوع باطلاق الفتاوى من هنا ومن هناك بضرورة المشاركة، حتى انه يقال ان حماس ذاتها نصحت بالمشاركة. وبدت الامور وكأنها تسير باتجاه المشاركة.

المفاجأة الكبرى للحكومة، بل ولقيادة الاخوان انفسهم جاءت من ضغط قواعدهم على ما يبدو الذين باتوا يعدمون اي لغة مشتركة مع الحكومة وممثليها ونخبها. وسأموا الاعيبها. وهم الذين ضغطوا بالاساس باتجاه المقاطعة وبشكل حازم. وبعدما تبين لجناح "الحمائم" ان الحكومة باعلانها عن موعد الانتخابات في موسم الحج قد استهدفت تقويض اي فرصة لهم بالنجاح. قرروا التوجه للمقاطعة وبمزايدة واضحة على "الصقور" حتى لا ينتهي بهم الامر مثل معايد القريتين.

بالطبع، نسبة كبيرة من البيان الذي صدّرته جبهة العمل يستهدف اجراءات الانتخاب والاشراف عليها. وبحسب المراقبين فقد ترك الباب مواربا مع الحكومة للتفاهم. ولن استغرب اذا حصل شئ من هذا القبيل بينهم وبين الحكومة. الا اذا ارتأت هذه الاخيرة "انه اجت منهم مش منا."

يبقى ان الحكومة بالوصول لتفاهم ما مع الاخوان يدفعهم للعدول عن المقاطعة، تستفيد بانها تنفس الاحتقان وتخصي ولو مؤقتا احتمال تشكل جبهة عريضة من اجل التغيير الديمقراطي في الاردن. وهكذا فقد ينزل الاخوان من سقف بيانهم العالي النبرة هذا الى مستوى القبول بـ 6-8 نواب بابعد حد. وطبعا ستزور الحكومة. لآنها لن تركن فقط الى قانون الانتخاب ذاته القائم على تزوير التوزيع والتعداد الواقعي للناخبين وارادتهم كافراد واعضاء في حراك مجتمعي واسع تتنازعه عموديا قوى عشائرية ومناطقية وجهوية على محرك افقي جوهره بالاساس طبقي. بل هي تريد نتائج على المضمون ومسك اليد مقدما.

ومثل هذه مساومة، اذا حصلت، فلن يعدم الاخوان من تمريرها على انها "احتكام للعقل" وصوت الما بعرف شو، والى خازوق أخر وانتم نائمون ..

الاحزاب الصغيرة واليسارية تحديدا لا تزال تحاول ان تحدد موقعها. بالطبع يجب قراءة المعطيات وقرار الاخوان قرار لا يمكن لتنظيم ان يدير ظهره له. وسبر امكانيات ترجمته لخطوات عملية من الآن. لكنه يبقى بالنهاية قرار تكتيكي وعليهم ان ياخذوا قرارهم مع اخذ مصلحة الطبقة العاملة وتحركاتها الباسلة واقدمها وتجذر محتواها الديمقراطي المرجعية في كل قراراتهم. وان يشركوا ممثلي العمال ممن هم في احزابهم اوفي مواقعهم النقابية ومواقع عملهم في اتخاذ القرار وعلى كافة المستويات. واذا اختاروا المشاركة فما الذي يمنع من ترشيح قيادي اضراب عمال الموانئ - الراجح والطراونة والعلاونة وغيرهم، ومن عمال الزراعة وترشيح ممثلين عن قطاع المعلمين ونقابتهم من امثال ادما زريقات وزملاءها وعن النساء والحركة النسائية والنسوية عموما. في حال اختيار تكتيك المشاركة يتطلب الوضوح التام في الموقف من قانون الانتخاب اللاديمقراطي ومن السياسة المغامرة والمتسلطة والمعادية لمصالح الشعب وشعوب المنطقة التي ما انفكت تفرض على البلاد والعباد منذ دهر من الزمن.

ليست هناك تعليقات: