اخر عدد | الحوار المتمدن

23 أيلول 2009

في البرنامج الإستراتيجيّ للنضال التحرريّ الفلسطينيّ

مقالة ثاقبة وتستحق النقاش للدكتور جلبيرت اشقر من معهد الدراسات الاسيوية والافريقية في جامعة لندن، تنشرها مجلة الآداب البيروتية:

فالإستراتيجيّة العقلانيّة تقتضي، أولَ ما تقتضيه، تحديدًا دقيقًا للعقبة الرئيسة أمام مشروعها، بمعنى تحديد العدوّ الأساس وتحديد نقاط الضعف لديه. وأما العدوّ الأساس فكان جليّاً للحركة القوميّة في أيّام عبد الناصر أنه لا يقتصر على الكيان الصهيونيّ، بل يشمل الإمبرياليّةَ الأميركيّةَ التي ترعاه، والأنظمةَ العربيّةَ التابعة لها أو المتواطئةَ معها. وفي الطوق العربيّ-الإسرائيليّ المفروض على شعب فلسطين، يشكّل النظامُ الأردنيّ الحلقةَ الأضعف نظرًا إلى التركيب السكّانيّ للمملكة الهاشميّة حيث توجد غالبيّةٌ من الفلسطينيين، ناهيكم بأنّ أكثريّة "الشرق أردنيين" تتغلّب لديها المشاعرُ القوميّةُ المضادّة للصهيونيّة وللإمبرياليّة على النعرات القطْريّة الضيّقة التي يرعاها النظامُ الملكيّ. وعليه، فإنّ تحويل عمّان إلى هانوي عربيةٍ شرطٌ لا بدّ منه لكي يجدي الكفاحُ من أجل تحرير الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة سنة 1967 ــ وهذا هو الشقُّ الأوّلُ من الإستراتيجية. (ومن البديهيّ، في سياق الأفق الإستراتيجيّ المشروح هنا، أن تعمل أجزاءُ الشعب الفلسطينيّ كلّها في الشتات على أن تنصهرَ في النضالات الوطنيّة والطبقيّة في بلدانِ إقامتها، إسهامًا في خلق "هانوياتٍ" عربيّةٍ أخرى، بدلاً من الانعزال عن تلك النضالات تحت أيّ حجةٍ كانت).



مجلة الآداب » 9-10-2009 »

إنّ مسألة الأفق البرنامجيّ لحلّ المعضلة الناجمة عن الاستيطان اليهوديّ الصهيونيّ ـ الاستعماريّ في فلسطين لهي معضلةٌ تواجه النضالَ التحرريّ الفلسطينيّ منذ أن بات جليّاً أنّ الحركة الصهيونيّة ترمي إلى انتزاع الأرض لخلق دولتها، وبعد أنْ جمعتْ من العدد والقوة ما جعل ذلك الهدفَ قابلاً للتحقيق. فقد انقسمت الحركةُ الفلسطينيّة مبكّرًا إلى فئتين من حيث برنامجُ التصدّي لمشروع الدولة اليهوديّة الصهيونيّ:

* فئة يمْكن نعتُها بـ "القَصْويّة" (maximalism). وقد التقى فيها القوميّون العرب المتشدّدون والسلفيّون الإسلاميّون، وكان ممثِّلُها الأبرز هو المفتي محمد أمين الحسيني، الذي يجسّد القاسمَ المشتركَ بين التيّارين المذكورين. أما برنامجُ تلك الفئة فقد كان، بكلّ بساطة، طردَ جميع اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين بعد بداية السيطرة البريطانيّة ووعدِ بلفور في سنة 1917، من دون استثناء المولودين في فلسطين تحت الانتداب. وكان دعاةُ هذا الموقف ينادون بتحرير وتوحيد كامل الأرض الفلسطينيّة التي استولى عليها البريطانيّون بموجب اتفاقيّة سايكس ـ بيكو وقسّموها بحيث خلقوا دويْلةً تابعةً لهم في شرق فلسطين أطلقوا عليها اسمَ "إمارة شرق الأردن" (وقد تحوّلتْ في ما بعد إلى "المملكة الأردنيّة الهاشميّة" وبات يُطلق عليها اسمُ النهر، أي "الأردن،" مع أنّها جَمعتْ شرقَ فلسطين مع قسمٍ من غربها لم يُحتلّ سنة 1948، على ضفّة النهر الغربيّة). وطبعًاً، كان أنصارُ الموقف القَصْويّ يدعون إلى تحرير فلسطين كاملةً، أيْ ضفّتي النهر غربًا وشرقًا، في إطار السعي إلى تحرير كامل الأرض العربيّة التي استولى عليها البريطانيّون والفرنسيّون وقسّموها، وإلى إقامة دولةٍ عربيّةٍ موحّدة.

* أما الفئة الثانية فكان يلتقي فيها الاستقلاليّون الليبراليّون والشيوعيّون. وقاسمُهم المشتركُ السعيُ وراء برنامجٍ يأملون في أن يقْبلَه قسمٌ مهمُّ من المستوطنين اليهود، سواءٌ كان أملُهم نابعًا من منطلق الرفض الأمميّ لفكرة التهجير القسريّ (الشيوعيّون) أو من منطلق الواقعيّة السياسيّة وإدراكِ موازين القوى مع انعدام الرغبة والمصلحة في تغييرها بأساليبَ ثوريّة (الليبراليّون). وهؤلاء جميعًا كانوا يُقرّون بالحدود التي رسمها الاستعمارُ، بما فيها الدولةُ الأردنيّة، ويحْصرون المسألة في ما أسماه البريطانيّون "فلسطين" بالاقتصار على الأرض الواقعة بين النهر والبحر. فكانوا ينادون بدولةٍ ديموقراطيّةٍ يتعايش فيها العربُ واليهودُ، دولةٍ فلسطينيّةٍ ثنائيّةِ القوميّة، تمنح اليهود كقومٍ مؤسّساتَهم الثقافيّةَ الخاصّةَ بهم، وحصّةً مضمونةً في المؤسّسات المشتركة التمثيليّة على قاعدةٍ فدراليّة، أو على غرار التركيبة اللبنانيّة مع فرقٍ جوهريّ: هو أنّ العرب واليهود مجموعتان إثنيّتان ـ ثقافيّتان، لكلٍّ منهما لغتُها (أيْ إنهما قوميّتان بالمحصّلة). وقد تمثّل هذا البرنامجُ بـ "الكتاب الأبيض" البريطانيّ، ومن بعده بمشروع الحلّ الذي قدّمته جامعةُ الدول العربيّة في العام 1946. وقد أُجهض المشروعان بسبب رفضهما من قِبل الحركة بقيادة المفتي من جهة، والحركة الصهيونيّة من الجهة الأخرى.

***

بعد النكبة، بقيت الحركة العربيّة المناهضة للمشروع الصهيونيّ منقسمةً بين موقفٍ قصْويّ، مثّله المفتي، ويدعو إلى تحرير فلسطين بطرد اليهود منها؛ وموقفٍ رسميّ تبنّاه جمال عبد الناصر، ويدعو إلى دولةٍ ديموقراطيّةٍ في فلسطين يتعايش فيها العربُ واليهود، لكنْ من دون بُعد الثنائيّة القوميّة، بل بأفق التعايش على أساس المساواة في الحقوق الفرديّة لا غير.1 أما الحركة الفلسطينيّة فكانت هي أيضًا متشبّثةً بالموقف القصْويّ، سواءٌ تجلّى في ميثاق منظمة التحرير عند تأسيسها سنة 1964 أو في مواقف حركة فتح. ولم تتبدّل المواقفُ إلاّ بعد هزيمة 1967، وتبعها تجذّرٌ في عموم المنطقة العربيّة لسنواتٍ قليلة، انعكس فلسطينيّاً بصعود منظّمات الكفاح المسلّح ومن ثم سيطرتها على منظّمة التحرير.

فمنذ العام 1968 أخذت أطروحةُ "الدولة الديموقراطيّة" تزداد نفوذًا في صفوف الحركة الفلسطينيّة، سواءٌ تفوّه بها بعضُ قادة فتح كصلاح خلف (أبو إيّاد)، أو عبّر عنها اليسارُ الوطنيّ الفلسطينيّ المتمثّل في الجبهة الشعبيّة بقيادة جورج حبش، علمًا بأنّ تصوّر الدولة الديموقراطيّة في الحالتين كان محصورًا في حدود التصوّر الناصريّ، باستثناء الجبهة الشعبيّة الديموقراطيّة (المنشقّة عن الجبهة الشعبيّة) بقيادة نايف حواتمة. ففي العام 1969 تقدّمت الجبهةُ الديموقراطيّة بمشروعٍ ينصّ على إقامة دولةٍ ديموقراطيّة شعبيّةٍ يكون فيها لكلٍّ من العرب واليهود حقُّ تطوير ثقافتهم الوطنيّة. وذهب حواتمة إلى أبعد من ذلك في مقالٍ نُشر في العام التالي، داعيًا إلى دولةٍ عربيّةٍ ـ يهوديّةٍ فدراليّةٍ على طراز يوغسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا. ثم ما لبث أن انعطفَ وتنظيمُه نحو تبنّي حلّ الدولتين (أو تحديدًا الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينيّة في الأراضي المحتلّة سنة 1967 بعد تحريرها) ممهِّدًا الطريقَ أمام قيادة فتح، التي تبنّت الموقفَ ذاتَه بدورها، ثم تبنّته رسميّاً منظّمةُ التحرير بدءًا من العام 1974.

***

واليومَ، وأمام الانحطاط الراهن للنضال الفلسطينيّ، والفشلِ الذريعِ الذي أصاب كافّةَ فصائله (بما فيها حركةُ حماس التي يحتاج المرءُ إلى درجةٍ عليا من العمى للإيمان بنصرها الإلهيّ في قطاع غزّة المقهور)، فإنّنا نجد مَن يرى الخلاصَ الفلسطينيّ في تبنّي برنامج "الدولة الديموقراطيّة" بحلّةٍ جديدةٍ وطريفة. فالدعاة الجدد ــ سواء دعوْا إلى دولةٍ ديموقراطيّةٍ على أساس المساواة البحتة بين الأفراد العرب واليهود أو على أرضيّة المساواة بين مجموعتين إثنيتيّن ـ قوميتيّن (عربيّة ويهوديّة ـ إسرائيليّة أو عبريّة) ــ تكمن طرافةُ دعوتهم في أنها لا تقوم على التحرير المسلّح على غرار ما جاء لدى الدعاة القدامى من عبد الناصر إلى برنامج 1974 لمنظّمة التحرير (برنامج النقاط العشر)، فكيف بهم يعودون إلى مثل هذا المنظور في زمن الانحدار هذا؟! بل يدعو الدعاةُ الجددُ إلى حملةٍ دعائيّةٍ عالميّةٍ مصحوبةٍ بنضالٍ جماهيريّ، الغايةُ منهما جرُّ الإسرائيليين إلى القبول بإعادة توحيد فلسطين في حدود الانتداب البريطانيّ، أيْ من النهر إلى البحر، على قاعدة المساواة العربيّة ـ اليهوديّة، وعودة اللاجئين.

ومع كلّ التقدير للعرب واليهود الإسرائيليين وغير الإسرائيليين الذين صاغوا ودافعوا عن هذا المشروع الأخير، معبّرين عن اشمئزازهم من الحالة المزرية التي بلغها النضالُ الفلسطينيّ، وعن فقدانهم الأملَ في إمكان تفكيك المستعمرات اليهوديّة في "الضفّة الغربيّة" وإقامة "دولةٍ مستقلّةٍ" فيها، فإنه مشروع يستحقّ تمامًا نعتَه بالطوبويّ (اليوطوبيا). وليست اليوطوبيا بشتيمةٍ، بل لا بدّ من يوطوبيا في تحريك التقدّم التاريخيّ كما شرح الفيلسوفُ الماركسيّ إرنست بلوخ. ولم يكن الاشتراكيّون الطوبويّون إلاّ أناسًا اشمأزّوا من حالة الإفقار المزرية التي رافقتْ بداياتِ الرأسماليّة في أوائل القرن التاسع عشر، وصاغوا مشاريعَ اجتماعيّةً قائمةً على أنماطٍ اشتراكيّةٍ أو شيوعيّةٍ من نسج الخيال، ظانّين أنّ تحقيق نماذجَ عنها سيؤدّي إلى انتشارها بقوة المثال، بحيث يفضي الانتشارُ إلى تغيير المجتمعات وتحقيق اليوطوبيا. وقدّر ماركس وإنغلس الاشتراكيين الطوبويين تقديرًا عاليًا، بل استوحيا من بعض بِدَعهم، لكنهما حذّرا من الانجرار وراء أوهامهم التي تقود إلى الطريق المسدود والإحباط، لا محال. وهذا أيضًا ينطبق على مشروع "الدولة الواحدة": فهو خياليٌّ بكلّ وضوح ــ وكيف يظنّنَ أحدٌ أنّ جرّ الإسرائيليين إلى التخلّي عن "دولة اليهود،" التي هي العمودُ الفقريّ لإيديولوجيّتهم، من أجل دولةٍ مشتركةٍ ومساوتيّةٍ مع كافة العرب الفلسطينيين، غايةٌ واقعيّة؟ (هذا لو افترضنا جدلاً أنّ فلسطينيي أراضي 1967 والشتات توّاقون إلى العيش في دولةٍ واحدةٍ مع أناسٍ اضطهدوهم أشدَّ اضطهاد، ويتفوّقون عليهم تفوُّقَ بِيضِ أفريقيا الجنوبيّة على سودها، علمًا بأنّ البِيضَ هناك يشكّلون أقلَّ من عشْر السكّان.) إنه خيالٌ بخيال؛ وسواءٌ رأى المرءُ تحقيقَ الغاية بالإقناع أو بالإكراه (أكان هذا الأخيُر بالسلاح أمْ بالمقاطعة)، فإنهما مستحيلان على حدٍّ سواء.

ومثلما سمحت الاشتراكيّةُ الطوبويّةُ بتصوّر مجتمعٍ غيرِ المجتمع الطبقيّ، فإنّ يوطوبيا الدولة الديموقراطيّة أو الثنائيّة القوميّة تساعد على التثقيف بضرورة تخطّي التشنّجات القوميّة وعيشِ الناس على اختلاف مِللهم وأديانهم وقوميّاتهم في بلدٍ واحد. ولذلك فإنّها تصْلح إذا كان مجالُ الدعوة إليها أراضي 1948، على غرار شعار جعل إسرائيل "دولةً لكلّ مواطنيها" (عوضًا من "دولة اليهود") الذي نادى به أمثالُ عزمي بشارة. أما المناداة بها كمشروعٍ لغرب فلسطين برمّته، أيْ من النهر حتى البحر، فتقود حتمًا إلى طريق مسدود. وليس من برهانٍ أقوى على ذلك من المحكّ الأساسِ لأيّ برنامجٍ بعيدِ المدى، ألا وهو كيف تتمّ ترجمة ذاك البرنامج في مطالبَ ملموسةٍ آنيّة؟ فإذا أخذنا البرنامجَ المذكورَ على محمل الجدّ، فإنّ ترجمته الميدانيّة تعني دعوةَ الفلسطينيين في "الضفّة الغربيّة" المحتلّة سنة 1967 إلى الكفّ عن المطالبة بإجلاء الاحتلال وتفكيكِ المستوطنات، والمطالبةِ بدلاً من ذلك بالمساواة في الحقوق مع الإسرائيليين، بما فيها (منطِقيّاً) حقُّ الاقتراع في انتخابات الكنيست (وهي حقوقٌ اقترحها الاحتلالُ على قسمٍ من سكّان القدس العربيّة بعد ضمّها سنة 1967، ورفضها معظمُهم). أما من الجانب الإسرائيليّ، فمثلُ هذا الموقف من شأنه جرُّ مناصري حقوق الفلسطينيين من اليهود إلى وقف حملاتهم المشكورة والمفيدة المطالِبة بانسحاب جيشهم من أراضي 1967 وتفكيكِ المستعمرات فيها (على غرار ما حصل في غزّة، وسيناء من قبلها)، والتعويضِ من تلك الحملات بشنّ حملةٍ عقيمةٍ من أجل دولةٍ مساواتيّةٍ يهوديّةٍ ـ عربيّةٍ واحدة، من شأنها عزلُهم بالكامل في المجتمع الإسرائيليّ اليهوديّ وإحباطُهم؛ وهم (أي اليهود المناصرون لحقوق الفلسطينيين) في الأصل أعجزُ من أن يُقنعوا مجتمعَهم بإقرار مبدإ إسرائيل "دولةً لكلّ مواطنيها،" أيْ منح المساواة الكاملة لحاملي الجنسية الإسرائيليّة من الفلسطينيين، على قلّة عددهم النسبيّة. فكيف بأولئك المناصرين اليهود أن يجدوا آذانًا صاغيةً لمطلب منح جميع الفلسطينيين (بمن فيهم فلسطينيّو الشتات) المساواةَ التامّةَ في دولةٍ واحدة؟!

***

هل يعني ما سبق أنّ مشروع "الدولة الفلسطينيّة المستقلّة في الضفّة والقطاع" أكثرُ واقعيّةً من "حلّ الدولة الواحدة" في فلسطين بين النهر والبحر؟ كلاّ، وألف كلاّ: إنّهما، معًا، ضربان من الخيال. ذلك أنّ عللَ مشروع "الدولة المستقلّة" واضحة، وأوّلُها أنّ الاعتقاد بأنّ دولةً فلسطينيّةً وطنيّةً بإمكانها أن تكون "مستقلةً" فيما هي تقع بين فكّيْ كمّاشةٍ اضطهاديّة ـ أحدهما الدولةُ الصهيونيّة وثانيهما الدولةُ الهاشميّة ـ إنما هو ضربٌ من الخيال الصرف. أما الترجمة الميدانيّة لهذا البرنامج، الذي يقوم على حسن الجوار مع فكّي الكمّاشة، فهي نهجُ المفاوضات والمراهنة على العرّاب الأمريكيّ، أكان هذا النهجُ بصيغته العرَفاتيّة أمْ بصيغته العبّاسيّة، الناتجةِ من الأولى بشكلٍ محتّم.

***

وبعد، فأيُّ برنامجٍ نقترح، عقب هذا النقد المختصَر للبرامج المطروحة؟ إنه برنامجٌ يجمع بين يوطوبيا ثوريّة، وإستراتيجيّة نضاليّة واقعيّة.

فلنبدأْ باليوطوبيا، بمعنى البرنامج البعيد المدى الذي يرسم أفقَ النضال بالمدَييْن المتوسّط والقريب. إذا أقررنا بأنّ النضال الثوريّ بحاجةٍ إلى يوطوبيا مُلهِمة، فلماذا الاقتصارُ على قسمٍ من فلسطين التاريخيّة دون الآخر، ناهيكم طبعًا بالاقتصار على الأراضي المحتلة سنة 1967 (وناهيكم بالإمارة الإسلاميّة في غزّة وحدها!)؟ إنّ اليوطوبيا الوحيدة الجديرة بإلهام النضال الثوريّ الفلسطينيّ والإقليميّ لهي مشروعُ التوحيد القوميّ الفدراليّ الاشتراكيّ العربيّ (مع الاعتراف ضمنه للأقليّات القوميّة ــ أيْ ذاتِ اللغة غير العربيّة ــ بحقّ تقرير المصير). وإذا صحّ أنّ الصيغة القوميّة البورجوازيّة للمشروع العربيّ الوحدويّ قد أصيبت بإفلاسٍ عميقٍ بعد بلوغها ذروتَها في العهد الناصريّ، فإنّ المشروع بذاته يبقى الأفقَ الملهِمَ والعقلانيَّ (حيث نميّز بين يوطوبيا عقلانيّة وأخرى غير معقولة) الوحيدَ للنضال الثوريّ العربيّ، في زمنٍ نرى فيه دولاً منتميةً إلى قوميّاتٍ مختلفةٍ تسعى إلى تشكيل وحداتٍ إقليميّة، سواء في أوروبا أو في أمريكا الجنوبية، فكيف بالعرب وهم ينتمون إلى أمةٍ واحدة؟!

أما ترجمة ذلك الأفق في إستراتيجيّة ثوريّة واقعيّة للنضال الفلسطينيّ التحرريّ، فكانت تتمحور بالأمس حول "إستراتيجيّةَ الطوق" القوميّ العربيّ الناصريّةَ. وطبعًا، جاءت هزيمةُ 1967 لتُفقد تلك الإستراتيجيّةَ كلَّ اعتبار بعد أن مُنيتِ الأنظمةُ القوميّة بأُمّ الهزائم العسكريّة. ولوهلةٍ قصيرةٍ أدركت الطليعةُ الفلسطينيّة الجذريّة أنّ الذي سقط بلا رجعة ليس الإستراتيجيّة الإقليميّة/القوميّة في حدّ ذاتها، بل قيادة الحركة القوميّة "البورجوازيّة الصغيرة" لها. وربمّا كان التعبير الأدقّ عن ذلك الوعي هو الفكرة التي جهر بها الدكتور جورج حبش في زمن الصراع في الأردن، وهي أنه لا بدّ للثورة الفلسطينيّة من "هانوي،" على غرارِ ما تَوفّر للثورة الفييتناميّة في الشطر الشماليّ من وطنها في كفاحها البطوليّ من أجل تحرير الشطر الجنوبيّ المحتلّ. ومن هذا المنظور، لا بدّ من العمل على تحويل جميع عواصم المحيط العربيّ لفلسطين إلى "هانويات،" بمعنى خلق شروط الوحدة العربيّة التحرريّة والتحريريّة التي أخفقت الحركةُ القوميّةُ في تحقيقها.

ولمّا كان شرقُ فلسطين، الذي يُطلق عليه اسمُ الأردن، في تواصلٍ وثيقٍ مع غربها المحتلّ سنة 1967، أيْ مع الضفّة الغربيّة ــ وهو تواصلٌ عزّزه الدمجُ بين الضفّتين في سنواتِ ما بين النكبة والهزيمة ــ فقد رأى "الحكيم" أنه يتوجّب البدءُ بتحويل عمّان إلى هانوي عربيّةٍ كي يجد الكفاحُ من أجل تحرير غرب فلسطين عمقَه الضروريّ. ولم تَسقطْ تلك الإستراتيجيةُ اليساريّةُ الثوريّة، أسوةً بسابقتها القوميّة، بعد تجريبها، بل إنها لم تُجرَّبْ قطّ: فقد حال دون ذلك تضافرُ جهودِ المملكة الهاشميّة القمعيّة الدمويّة، وجهودِ اليمين الفلسطينيّ الإحباطيّة والاستسلاميّة. وعلى العكس، فإن إستراتيجيّة اليمين الفلسطينيّ هي التي سقطت الآن سقوطًا ما بعده سقوط. وتبقى الإستراتيجيّة اليساريّة الثوريّة هي الوحيدة العقلانيّة للنضال الفلسطينيّ برمّته، وهي تقوم على ثلاثة محاور.

فالإستراتيجيّة العقلانيّة تقتضي، أولَ ما تقتضيه، تحديدًا دقيقًا للعقبة الرئيسة أمام مشروعها، بمعنى تحديد العدوّ الأساس وتحديد نقاط الضعف لديه. وأما العدوّ الأساس فكان جليّاً للحركة القوميّة في أيّام عبد الناصر أنه لا يقتصر على الكيان الصهيونيّ، بل يشمل الإمبرياليّةَ الأميركيّةَ التي ترعاه، والأنظمةَ العربيّةَ التابعة لها أو المتواطئةَ معها. وفي الطوق العربيّ-الإسرائيليّ المفروض على شعب فلسطين، يشكّل النظامُ الأردنيّ الحلقةَ الأضعف نظرًا إلى التركيب السكّانيّ للمملكة الهاشميّة حيث توجد غالبيّةٌ من الفلسطينيين، ناهيكم بأنّ أكثريّة "الشرق أردنيين" تتغلّب لديها المشاعرُ القوميّةُ المضادّة للصهيونيّة وللإمبرياليّة على النعرات القطْريّة الضيّقة التي يرعاها النظامُ الملكيّ. وعليه، فإنّ تحويل عمّان إلى هانوي عربيةٍ شرطٌ لا بدّ منه لكي يجدي الكفاحُ من أجل تحرير الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة سنة 1967 ــ وهذا هو الشقُّ الأوّلُ من الإستراتيجية. (ومن البديهيّ، في سياق الأفق الإستراتيجيّ المشروح هنا، أن تعمل أجزاءُ الشعب الفلسطينيّ كلّها في الشتات على أن تنصهرَ في النضالات الوطنيّة والطبقيّة في بلدانِ إقامتها، إسهامًا في خلق "هانوياتٍ" عربيّةٍ أخرى، بدلاً من الانعزال عن تلك النضالات تحت أيّ حجةٍ كانت).

أما الشقّ الثاني، فيخصّ النضالَ في الأراضي المحتلّة سنة 1967. هنا لا بدّ أن يرتكز النضالُ ضدّ الاحتلال، كما في جميع حالات الكفاح ضد احتلالٍ أجنبيّ، إلى أوسع إجماعٍ وطنيّ ــ وبخاصّةٍ بعد أن وصل المجتمعُ الفلسطينيّ المطوَّقُ إلى حالة حربٍ أهليّةٍ كارثيّة. والإجماع الوطنيّ هو ما عبّرتْ عنه وثيقةُ الحوار الوطنيّ، المستندةُ الى ما عُرف بـ "وثيقة الأسرى" بعد تعديلها وإقرارها من قبل الغالبيّة العظمى للفصائل الفلسطينيّة في صيف 2006. وتنصّ تلك الوثيقة على ما يأتي:
"إنّ الشعب الفلسطينيّ في الوطن والمنافي يسعى ويناضل من أجل تحرير أرضه، وإزالة المستوطنات، وإجلاء المستوطنين، وإزالة جدار الفصل والضمّ العنصريّ، وإنجاز حقّه في الحريّة والعودة والاستقلال، وفي سبيل حقّه في تقرير مصيره، بما في ذلك إقامة دولته المستقلّة كاملة السيادة على جميع الأراضي المحتلّة عام 1967 وعاصمتًها مدينة القدس الشريف، وضمان حقّ عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طُردوا منها وتعويضهم، وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين بدون استثناءٍ أو تمييز، مستندين في كلّ ذلك إلى حقّ شعبنا التاريخيّ في أرض الآباء والأجداد، وإلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدوليّ، وما كفلته الشرعيّةُ الدوليّة بما لا ينتقص من حقوق شعبنا."

إنّ كلّ ما ورد في الفقرة أعلاه إنما هو فعلاً حقوقٌ مشروعةٌ في العرف الدوليّ، وسيكون من الغباء الاستغناءُ عن المطالبة بها؛ فهي تشكّل أرضيّة الحدّ الأدنى الوطنيّ الفلسطينيّ التي ينبغي الانطلاقُ منها بدلاً من تجاهلها أو الالتفاف عليها. أما المنظور الثوريّ في هذا المجال فيقوم على إدراك أنّ "الدولة المستقلّة كاملة السيادة على جميع الأراضي المحتلة عام 1967" هي أيضًا يوطوبيا إذا اقتصر تصوّرُها على تلك الأراضي دون سواها. لكنْ، لمّا كان التشتّتُ الفلسطينيّ يفرض على كلّ قسم من أقسام شعب فلسطين أن يواجه عدوَّه المباشر في ظروفٍ بالغةِ الاختلاف عن تلك التي تواجه الأقسامَ الأخرى، فإنّ نضالَ سكّان أراضي 1967، المتمحورَ حول الإجماع الوطنيّ، مدعومًا من حملة التضامن العالميّة، بما فيها حملةُ المقاطعة، لهو أفضلُ ما يمكن القيامُ به سعيًا وراء تحقيق انتصاراتٍ على الأرض تتعلق برقعة الانسحاب الإسرائيليّ وتجميد ثم تفكيك المستوطنات وجدار الضمّ. غير أنّ كلّ ما يمكن تحقيقُه على هذه الدرب يبقى بالطبع هشّاً ومؤقّتًا لا غير، في انتظار فكّ الطوق في حلقته الأردنيّة الأضعف، بحيث ينفتح أمام أراضي 1967 أفقُ الاندماج بغرب فلسطين من جديد في دولةٍ وطنيّةٍ واحدةٍ تمتلك مقوِّمات الاستقلال والصمود.

أما الشقّ الثالث البعيدُ المدى للإستراتيجيّة التحريريّة، والمتعلّق بنكبة عام 1948 وآثارها، فإنه مرتهنٌ بما أدركه عبد الناصر نفسُه بعد هزيمة 1967 عند تأكّد تحوّل الدولة الصهيونيّة إلى قوّةٍ نوويّة. فالحال أنّ المراهنة على القضاء على الدولة الصهيونيّة بالقوّة العسكريّة من الخارج (وإنْ تحقّقت الوحدةُ العربيّة) إنما هي جنونٌ انتحاريّ، إذ لن تتردّد الدولةُ الصهيونيّة في اللجوء إلى سلاحها النوويّ إنْ شعرتْ بأنها مهدّدة بهزيمة عسكريّة، وذلك لكون الاستعمار الصهيونيّ استعمارًا استيطانيّاً متشبّثًا بالأرض... هذا لو افترضنا أنّ المحيط العربيّ قادر على التفوّق على إسرائيل بالسلاح التقليديّ ــ وهو أمرٌ شبهُ مستحيل ما دامت الإمبرياليّةُ الأميركيّة تقف وراءها وتضْمن تفوّقها في تكنولوجيا الدمار عمومًا، والطيرانِ الحربيّ بخاصّة.
وهذا يعني أنْ لا إستراتيجيّة عقلانيّة في مواجهة الدولة الصهيونيّة ممكنةً بغير الاستناد إلى تضافر الكفاح الفلسطينيّ والعربيّ، مع العمل على شقّ المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ من داخله. وهذه الغاية الأخيرة تتطلّب أن تكون لدى القوى التحرريّة الفلسطينيّة والعربيّة قدرةٌ على مخاطبة الإسرائيليين اليهود، وسلخِ قسم مهمٍّ منهم عن المنطق الصهيونيّ. إنّ برنامج نضال فلسطينيي أراضي 1948 حاملي الجنسيّة الإسرائيليّة ــ في سعيه إلى كسر الإجماع الصهيونيّ (وقد بدت بوادرُ ذلك مع ظهور ما سمّي "ما بعد الصهيونيّة" post-Zionism قبل تراجع هذا الاتجاه تحت وطأة احتداد المواجهة منذ "انتفاضة الأقصى") ــ هو الذي ينبغي في الحقيقة أن يرتكز إلى مشروع تحويل الدولة الصهيونيّة إمّا إلى دولةٍ ديموقراطيّةٍ ثنائيّة القوميّة مع منح العرب جماعيّاً حقوقًا مساويةً لحقوق اليهود الجماعيّة، أو إلى "دولةٍ لكلّ مواطنيها." وعلى مناضلي الداخل، بالاشتراك مع المناضلين اليهود المعادين للصهيونيّة، يقع خيارُ استنساب أيٍّ من المطلبين يتيح الحصول على أوسع تأييد في صفوف اليهود، بحيث يساهم خيرَ إسهام في كسر الإجماع الصهيونيّ.

***

إنّ الإستراتيجيّة المشروحة أعلاه أعقدُ بكثير من مشروعَي "الدولة المستقلّة" و"الدولة الديموقراطيّة،" ببساطتهما النظريّة. أوَليس الوضعُ الفلسطينيّ من أكثر الأوضاع تعقيدًا في العالم؟ فكيف يظنّ أحد أنّ النضال الفلسطينيّ يمْكن اختصارُه في شعارٍ واحدٍ لا يخصّ سوى جزءٍ من فلسطين التاريخيّة والسكّانيّة، مهما كان حجمُه؟ وإذا صحّ أنّ الإستراتيجيّة تُبنى على أساس تشخيص العوائق التي تعترض تحقيقَ هدفها السامي، فلا شكّ في أنّ التشتت الفلسطينيّ جعل الشعبَ الفلسطينيّ يواجه عددًا من العوائق يفوق ما تواجهه معظمُ الشعوب الأخرى. وعليه، فإنه يستحيل اختزالُ النضال الفلسطينيّ بوصفةٍ سحريّةٍ واحدة، بل لا بدّ له من إستراتيجية معقّدة بدرجة تعقيد الأوضاع التي يواجهها. وبهذا المعنى أيضًا، لا بالمعنى العاطفيّ وحده، فإنّ النضال الفلسطينيّ هو حقّاً النضالُ المحوريُّ بامتياز في إطار الثورة العربيّة التحرريّة والتوحيديّة التي يجب أن تبقى هدفَ الثوريين الأسمى في منطقتنا.

لندن


*جلبير الأشقر: معهد الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن. من مؤلَّفاته: صِدام الهمجيّات، والشرق الملتهب، وحرب الثلاثة وثلاثين يومًا، و(مع نعوم تشومسكي) السلطان الخطير.

1. لم يتبنّ عبد الناصر، قطّ، الموقفَ الذي نُسب إلى أحمد الشقيري سنة 1967 والداعي الى "رمي اليهود في البحر،" وإنما كان هذا هو موقفَ المفتي والوهّابيين، الذين كان الشقيري مقرّبًا منهم، علمًا بأنه لم يلفظْ تلك الجملة الشهيرة تحديدًا، بل ما شابهها فقط.

ليست هناك تعليقات: