
وانا قد لا يروق لي النظام الايراني ونهجه تجاه شعبه، لكنه لا يشكل اي خطر فعلي بالنسبة لي في المنطقة. والبعصة انه عندما كان يشكل خطر حقيقي وفعليا في السابق عندما كان نظام الشاه متحالف علانية ومباشرة مع امريكا واسرئيل ويمد الاخيرة بالنفط ويطور التعاون العسكري والامني بينهما، كانت كل هذه الدول العربية - الاردن والسعودية ومصر السادات وغيرها - تتسابق بالتزلف والمحاباة وطلب ود نظام الديكتاتوررضا بهلوي. لكن ومنذ اليوم الاول للثورة الايرانية بادر عمال النفظ في ايران بوقف امدادات النفط عن اسرائيل . انه شئ مفزع هذا الفصام الحاصل عند بعض الناس التي باتت تستمرئ نعت ايران بشتي النعوت بينما تتجاهل العدو والمحتل والمجرم الرئيسي سواء المحتل في العراق اوفلسطين اوفي دول النهب والتسلط والفجور والخضوع في الخليج العربي.
الرئيس الامريكي بوش صار له عدة ايام يشارك الاسرائيليين غمرة احتفالاتهم النكبة والكوارث التي جلبوها ولا يزالون على المنطقة وشعوبها. يشاركهم الرقص الهستيري على جماجم اطفال غزة وجراح ابناء فلسطين عموما ومهانتهم اليومية على ايدي قوات الاحتلال وفي المخيمات في الشتات، وعلى الحدود من دولة لاخرى.
يشاركهم رقصهم الهستيري ذاته وغلواء نشوتهم بتدمير العراق واهراق مقدراته، وتشتيت ابناءه...وهم يلوحون بالعديد والوعيد لـ"لمتطرطفين." المتطرفون في نظرهم هم حماس، حزب الله، سوريا، ايران.. اما هم فهم في غاية الوداعة. هم لا يستخدموا العنف لتحقيق اي مأرب؟ هم لا يتدخلوا في شؤون الدول والشعوب الاخرى؟ هم لا يمارسوا التعذيب للمعتقلين اواسرى الحرب، لا في ابو غريب ولا في غوانتنامو ولا من خلال متعهديهم في مركز المخابرات في الاردن، ودمشق وغيرها من العواصم التي تبرعت بالقيام بالتعذيب لصالح ما يسمى بحربهم على "هؤلاء المتطرفين."
كيف ينظر المواطن في المنطقة والعالم لهذه العنجهية؟ كيف ينظر لمن يروج في المنطقة ان عدونا ومن يقتلنا ويمتهن كرامتنا يوميا ليست الامبريالية الامريكية وحليفتها اسرائيل، بل ايران. هذا ما يطبل له "معسكر الاعتدال." هذا ما يلمز له الاعلام الرسمي والمشري الخاص في العالم العربي. يردد كالببغاء على مسامع الناس يوميا هذه اللازمة.."ايران".."ايران" .."ايران." هذا هو اسلوب الاعلام الامريكي، كثر ترديد الخبر ونزع الصفة الانسانية والعقلانية عن المستهدف حتى يبدأ الناس بتقبله والتعامل معه كخطر وربطه بكل ما هو سيئ.
معسكر ما يسمى "الاعتدال" بزعامة نظام آل سعود، يدفع بكل قوة بهذه الهستيريا، في كل وسائل الاعلام التي يسيطر عليها في العالم العربي وتقذف هذا القرف على مسامع الناس يوميا. لكن مهلا. واذا كانت السعودية ترى نفسها في ورطة مع امتداد ما يسمى بالنفوذ "الايراني" فكيف ابتدأ هذا النفوذ اصلا؟ وما هو الفراغ الذي تقوم ايران بملئه دفاعا عن نفسها بالدرجة الاولى ضد سياسة "محور الشرّ" الامريكية والتهديد بالحرب الاستباقية الامريكية التي رفعتها الادارة الامريكية لمستوى سياسة الدولة الرئيسية والاستراتيجية وكانت باكورة ضحاياها احتلال العراق وتدمير العراق الحاصل والمتواصل.
هل يجب التذكير ان النظام السعودي لم يرفع اصبعا في وجه هذه السياسة وتحديدا في وجه الاحتلال الامريكية للعراق، بل دعمها وسهل لها، هو والكويت والنظام الهاشمي في الاردن ونظام دول الخليج مجتمعين هيئوا ودعموا هذه السياسة والجهود الحربية الامريكية منذ البداية، وكانوا جزئيا اوكليا جزء مساهم وفاعل بالحصار المجرم الذي لم تقل آثاره التدميرية على الشعب العراقي عما يجري حاليا. هم جزء عضوي في السياسة والمصالح الامريكية الامريكية في المنطقة. هل سألوا انفسهم اوسمحوا لاحد ان يحاسبهم على هذه السياسة الخرقاء؟ هل سمحوا لاحد ان يسألهم عن الاوسمة والنياشين التي انعموا بها على بوش وتشيني في الامس القريب؟ ما مبررها؟ وما مبرر ان تمنح اوسمة لرؤساء امريكا وهم يحتلون ارض العراق ويحاصرون فلسطين ويذكون نار الفتنة في لبنان وكل بلد لا تروق سياسته لهم؟
الموضوع الفلسطيني مركون جانبا الان بالنسبة لهذه الانظمة الفاقدة للشرعية - ليس فقط الحكومة اللبنانية والتي قد تكون اكثرهم شرعيتا من الناحية النسبية - مركون جانبا بما يسمح لهم بين الفترة والاخرى باستخدامه كي يلبسوا مسوح المنافح عن مصالح الشعوب العربية. الحقيقة ان توخفهم من "البعبع الإيراني" يدفعهم في احضان اسوأ التيارات السياسية اليمينية في امريكا واسرائيل واكثرها رجعية. انهم الآن في حلف وإن غير معلن لكن واضح مع اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية لاحتواء ايران في المنطقة. وعلى مذبح هذا التحالف يتم التضحية بفلسطين وغض الطرف وعن العراق وعن لبنان، كل هذه الشعوب وغيرها يجب ان تدفع بالدم فاتورة سرسبة النظام السعودي ومخاوفه، بينما المستفيد في النهاية هم الامبريالية الامريكية واسرائيل. فلم تكن زيارة وزيرة الخارجية الاسرائيلية لقطر مفاجأة، وليس الاستثمارات الاسرائيلية التي تفتح لها فروعا في الامارات مفاجأة. ام ساحة التشابك المالي والاقتصادي السعودي-الاسرائيلي فهي واضحة كل الوضوح في امريكا وفي سوق المال في نيويورك تحديا ولن يطول الوقت التي قد نراها في الخطوط العريضة في الصحف العربية في المنطقة.
ان فاتورة هذه الهستيريا يدفعها الشعب العراقي بالدم والاحتلال والخراب، ويدفعها الشعب الفلسطيني بالحصار والاستيطان والاحتلال التهجير، ويدفعها الشعب اللبناني على قاعدة تعطيل اي مصالحة.
وهذه الساسة الهستيرية يدفع ثمنها غاليا الشعب العربي في الجزيرة والخليج من القمع وانعدام الحريات الاساسية والانسانية وحقهم بادراة شؤون بلدهم رجال ونساء وعلى نحو ديمقراطي وعلمي. يعانون ويدفعون ثمن سياسة الخوف ارتهان للنظام السعودي ومن نهب ثرواتهم تشغيل عائداتها بدون ضوابط في الاقتصاد الامريكي المالي والصناعي بدون الاعتناء ببناء اقتصاد صناعي متطور في المنطقة تكون السعودية مقطورته الاساسية.